القرطبي
371
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ( 87 ) قوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا " أي اتخذا . " لقومكما بمصر بيوتا " يقال : بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا . والمبوأ المنزل الملزوم ، ومنه بوأه الله منزلا ، أي ألزمه إياه وأسكنه ، ومنه الحديث : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) قال الراجز : نحن بنو عدنان ليس شك * تبوأ المجد بنا والملك ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية ، في قول مجاهد . وقال الضحاك : إنه البلد المسمى مصر ، ومصر ما بين البحر إلى أسوان ، والإسكندرية من أرض مصر . الثانية - قوله تعالى : ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال أكثر المفسرين : كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة ، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة ، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا لبني إسرائيل بيوتا بمصر ، أي مساجد ، ولم يرد المنازل المسكونة . هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم . وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى : واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا . والقول الأول أصح ، أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة ، قيل : بيت المقدس ، وهي قبلة اليهود إلى اليوم ، قاله ابن بحر . وقيل الكعبة . عن ابن عباس قال : وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه ، وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام ، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ، فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة . وقيل : المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا ، وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت ،